وجوه الأمكنة.. من البيت الأول إلى المدينة المحورية
قراءة في كتاب أحمد داود أوغلو؛ المدن المحورية، وفي نظريات غاستون باشلار ومارك اوجيه، وفي أدب كل من محفوظ ومنيف.
إننا حين ننظر للعالم الآن، نراه بعين قد تشبعت بصبغة حداثية، ننظر للأمكنة في هذا العالم فلا نرى فيها إلا مجرد فضاء خامل للنشاط الإنساني، مجرد فراغ هندسي أو مساحة جغرافية صامتة. في النظرية النيوتينية في الفيزياء الكلاسيكية، يعتبر نيوتن المكان ساكنا وغير متغير، خلفية ثابتة تحدث فيها الاحداث وتتحرك فيها الأجسام، وعلى الرغم من تغير الرؤية الفيزيائية ل“المكان النيوتوني المطلق” مع ظهور النسبية، إلا أن هذه الرؤية النيوتينية ما زالت تلقي بظلالها على رؤية إنسان الحضارة الغربية المعولم1 للمكان، بل يمكننا أن ندعي أن هذه الرؤية الحداثية للمكان هي في جوهرها ما كان يسميه مارك أوجيه اللا-أمكنة، حيث أطلق أوجيه هذا المصطلح على الفضاءات التي لا تملك هوية أو ذاكرة أو ثقلا؛ مثل مراكز التسوق والفنادق والمطارات أو الطرق السريعة مثلا، ويمكننا بمد الخط على استقامته أن نقول؛ والمدن الحديثة أيضا.
في هذه المقالة نتنقل بين بيت “غاستون باشلار” الأول وشاعريته إلى حارة “محفوظ” وصحراء “منيف” وبين لا-أمكنة “مارك أوجيه” إلى مدن “داود أوغلو” المحورية، نحاول أن ندمج بين السياسيّ والأدبيّ والفلسفيّ، منافحين عن المكان، المكان الذي تُبنى فيه الهوية، ويعاد فيه انتاج المعنى عبر التاريخ والذاكرة، والذي كان بطل روايتنا ومنارة حضارتنا، والذي لم يكن أبدا مجرد فضاء جغرافي خامل.
بيت غاستون باشلار الأول؛ المكان الحالم
على خلاف عقلانية العلم الصارمة، العقلانية المبنية على التفكير وإعادة التفكير مليا، وعلى التجربة وإدماج الفكرة مع مجموعة الأفكار التي سبق أن أثبتت التجربة صحتها، على خلاف ذلك؛ تأتي الصورة الشعرية كهياج متوثب مفاجئ تشتعل به النفس. وباشلار على الرغم من أنه قد أمضى ردحا طويلا من عمره في التنظير في فلسفة العلوم، التي لا تنفك بدورها عن “عقلانية” العلم المعاصر(rationalism)، إلا أنه تخلى عن عاداته في البحث العلمي، وقدم لنا صورة شعرية فريدة في كتابه الذي أثر كثيرا في طريقة التفكير في العمارة والأدب وعلم النفس والذي أسماه “جماليات المكان” أو “The Poetics of Space”.
ينظر باشلار في هذا الكتاب إلى البيت باعتباره كوننا الأول، عالم الإنسان الأول قبل أن يُقذف في العالم الكبير، هو ملجأ الأحلام، تبدأ الحياة فسيحة دافئة محمية في كنف البيت، ركننا الركين: “في حياة الإنسان ينحِّي البيت عوامل المفاجأة ويخلق استمرارية، ولهذا فبدون البيت يصبح الإنسان كائنًا مفتتًا. إنه – البيت – من يحفظه عبر عواصف السماء وأهوال الأرض”. ولذلك فإن أبأس بيت يبدو جميلا، لأن الإنسان أينما لقي مكانا يحمل أقل صفات المأوى، فسرعان ما سيبني له خياله جدرانا حاضنة يلتجأ لها، يشعر داخلها بالحماية، وعلى العكس نراه يرتعش خلف الجدران السميكة متشككا بفائدة أقوى التحصينات حين لا يشعر بكونه مأوى.
البيت ليس مجرد شكل هندسي مصمت، ولا مجرد صندوق خامل، البيت حي، يواجه لنا العالم، كلما اشتدت العاصفة في الخارج، احتمى القاطن بالدفئ والألفة في الداخل.
البيت هو المكان الذي نكتشف فيه ذواتنا، هو العين التي ترانا قبل أن نرى أنفسنا، هو أول مكان نكتشف فيه ما “ليس أنا” وما هو “أنا” كما يكتشف الفلاسفة التجريديون الكون من خلال اللعبة الجدلية بينهما، فالكون هو ما ليس انت، والبيت إذا هو أول “ما ليس انت” تراه، تعرف به نفسك، منفصلٌ عنك.. لكنه مسرح أحلامك المتصلة بك، ومسرح الأحلام يعشش في أعمق ركن فينا؛ “إن وظيفة الشعر الكبرى هي أن يجعلنا نستعيد مواقف أحلامنا وخيالتنا. فالبيت الذي وُلِدنا فيه هو أكثر من مجرد تجسيد للمأوى، هو تجسيد للأحلام كذلك؛ كل ركن وزاوية فيه مستقر لأحلام اليقظة. وعاداتنا المتعلقة بحلم يقظة ما قد اكتُسِبَت في ذلك المستقر”.
البيت يحمي للإنسان أحلام يقظته الأولى، هذه -عند باشلار- فائدة البيت الرئيسية، لأن أحلام اليقظة تمزج بين أفكار الإنسان وذكرياته وأحلامه وتطلعاته، الفكر والتجربة وحدهما لا يرسخان القيم الإنسانية، ما يرسخها حقا، وما يميز الإنسانية في عمقها؛ هي القيم المنسوبة لأحلام اليقظة، المزيج الذي يكونها، الأفكار والذكريات والأحلام معا، فأحلام اليقظة هي وعي الروح حين يسترخي العقل، وهي اتصال الفرد بلا وعيه، هذا الاتصال الذي يجعله قادرا على أن يبلور أبعد ذكرياته ويستعيدها شاعريا، أن يبلور ذاته نفسها.
ووظيفة الشعر الكبرى كما قال هو أنه “يجعلنا نستعيد مواقف أحلامنا”، إن الشاعر حين يخبرنا عن حبه الأول، وموطنه الأول، مشهد السماء البديع الذي رآه، فإنه لا يدعونا أن ندخل معه إلى عالمه، لكنه يدعو كل واحد منا أن يلقي القصيدة ويلتقط طرف أحلامه هو، أحلام يقظته، يدعوه لأن يستعيد السماء البديعة التي رآها، وجه حبيبته هو، رائحة الخبز من موقد أمه.
إن بيتنا الأول هو مسرح كل تلك الأحلام في غضاضتها الأولى، يسكن أحلامنا وتسكن فيه أحلامنا، هو كما قلنا تجسيد مادي لها، وإننا ما دمنا نحلم “تظل طفولتنا حية ونافعة شاعريًا في داخلنا. ومن خلال هذه الطفولة الدائمة نحتفظ بشعر الماضي. فسكنى البيت الذي وُلِدنا فيه – حلميًا – يعني أكثر من مجرد سكناه في الذاكرة؛ إنها تعني الحياة في هذا البيت (الذي زال) بنفس الأسلوب الذي كنا نحلم فيه”.
إننا نحمل معنا البيت الذي ولدنا فيه، فهو على الحقيقة “محفور -بشكل مادي- في داخلنا، إنه يصبح مجموعة من العادات العضوية، بعد مرور عشرين عاما، ورغم السلالم الكثيرة الأخرى التي سرنا فوقها، فإننا نستعيد استجابتنا للسلم الأول، فلن نتعثر بتلك الدرجة العالية بعض الشيء، إن الوجود الكلي للبيت سوف ينفتح بأمانة لوجودنا، سوف ندفع الباب الذي يصدر صريرا بنفس الحركة، كما نستطيع أن نجد طريقنا في الظلام إلى حجرة السطح البعيدة، إن ملمس أصغر ترباس يظل باقيا في أيدينا”، إننا حين ننتقل يأتي ماضينا كاملا ليسكن البيت الجديد، وعلى الرغم من أن البيوت المتعاقبة التي سكناها قد نزعت عن إيماءتنا خصوصيتها، ولكننا نندهش حين نعود للبيت القديم، لنجد أن أدق الإيماءات وأقدمها تعود للحياة، إن كل ما تعنيه كلمة “سكن” من معنى يحفرها البيت القديم داخلنا، وكل بيت نسكنه بعدها لن يكون إلا تنغيما على هذا اللحن المحفور.
إن أجسامنا لا تنسى.. وإن هذا البيت ليستحيل نسيانه.
إذا فباشلار يرفض اعتبار المكان بعدا هندسيا مجردا، جسدا بلا روح، ينطلق من أصغر وحدة مكانية؛ البيت ليخبرنا كيف يطبع بيت حلمنا الأول ذاكرتنا للأبد، يشكل أحلامنا وينغرس في أجسادنا، يولد مرات لا نهائية في كل حُلم، إنه يُشكِّل بقدر ما يتشكّل، إن باشلار أسس لما يمكن أن نسميه: الإدراك الذاتي للمكان.
حارة محفوظ وصحراء مُنيف؛ المكان البطل

لا يقف المكان في أدب محفوظ او في أدب مُنيف كخلفية صامتة للأحداث، ولا كديكور مسرحي، يتقدم المكان ليتفاعل مع الشخصية، يشكل رسمها، يجعل من جغرافيته ملامحها، يختلط بها فتصبح جزءا منه، ويصبح هو جزءا منها، يطهيها في مطبخه، يزرعها في حديقته لتنضج وتؤتي ثمارها.
ميكروكوزم الحارة المحفوظية:
يمكننا بدون عناء أن نلحظ كيف أن محفوظ جعل من حارته عالما مصغرا أو (microcosm) يختزل فيه الصراع الوجودي الإنساني، وليست مجرد زقاق ضيق بين بيتين متلاصقين.
يقول محفوظ في أحد حواراته عن رواية الحرافيش “أنها ثورة على كل ما هو أوروبي وتقليدي” ويشدد على أن “الرواية الصحيحة هي تلك النابعة من نغمة داخلية” كانت نغمته هو الداخلية: المكان\عالم الحارة الذي تجلى في الحرافيش تحديدا كما لم يتجلى من قبل، محفوظ في الحرافيش كتب تاريخا روائيا للحارة، خلق لها عالما موازيا للعالم التاريخي.
نرى في الحرافيش كيف أن أبطال محفوظ ليسوا إلا أبناءا شرعيين لمقاهي الحارة، وزوايا البيوت القديمة ومشربياتها، دكاكين الحارة وأزقتها، لا يتحركون فوقها بل ينبتون منها، يتماهى الحرافيش تماما مع الحارة، تصبح هي هم، ويصبحون هي، لا ينفصل وجودهم عن وجودها، عاشور الناجي مثلا ليس إلا ابن الحارة الذي نشأ في أمعائها، حتى عندما أصبح فتوتها لم ينفصل وجوديا عنها، بل أصبح هو الحارة نفسها وقد تشكلت في صورة إنسان، قوته هي قوة المكان، عدله هو عدل المكان الأصيل الذي قد أفسده الطغيان، بل وحتى بعد اختفائه لم ينفصل، بل ظل طيفه، بقي ليصبح أسطورة المكان التي تمنح حرافيشها الذكرى والأمل بأن يولد عاشور جديد ينتشلها.
حضرت الحارة في الكثير من أعمال محفوظ السابقة واللاحقة، الثلاثية وزقاق المدق غيرها وغيرها، لكن التجلي الأكبر، ذروة حضور المكان في أدب محفوظ كان في الحرافيش، إلا أننا يمكن أن نقول أن “حكاية حارتنا” كانت الولادة الأولى، يقول محفوظ عنها أنها “العمل الأدبيّ الوحيد الذي كتبتُه ولم أجد له شبيهًا، ولم أستطع تصنيفه في مدرسة معيّنة”. تبدأ حكايات حارتنا بقصة قصيرة تنتهي بقصة أخرى وتتالى القصص لترسم بمجموعها العمل كله. في هذه الرواية يمكننا اعتبار المكان\الحارة باعتباره “البيت الأول” وقد اتسع ليصبح حارة، الأبطال هنا ليسوا إلا تجليات لروح الحارة، الصبي الراوي يكتشف العالم من خلالها، من شقوق جدرانها، تكيتها الغامضة، خلف كل باب حكاية، وفي كل زقاق طيف لوليّ أو مجذوب، الحارة هنا هي الثابت الوحيد، الأبطال يولدون ويكبرون ويموتون أو يرحلون، وتظل الحارة، من حاول التمرد على نواميسها انتهى به الأمر للتيه أو للضياع.
من صفاء الصحراء إلى مصافي النفط؛ المرثية المنيفية:
لم يكن للصحراء لسان قبل عبدالرحمن منيف، كانت هناك محاولات روائية هنا وهناك، لم يكن كتابها غالبا من أبناء تلك البيئة، لذا بقيت محاولتهم قاصرة، لم يكتب أحد عن الصحراء بمثل تلك العذوبة، يكتب منيف عن الصحراء، عن أهلها الذين انعكست صحراءهم في نفوسهم، فحملوا عنها نقاء هوائها، عذوبة مائها، صبرها وسكونها، ثم غبنها السريع المفاجئ، تتجلى كتابات عبدالرحمن عن الصحراء في روايته “النهايات” التي تشبه رواية محفوظ “حكايات حارتنا” في العديد من الجوانب، كونهما تتكونان من قصة قصيرة تأخذك لأخرى، والأهم أنهما كانتا نقلة نوعية، لا في أدب كل منهما فقط، بل في الرواية العربية كلها كما يدعي بعض النقاد. مرت الرواية عربيا بعدة فترات، اتبعت الرواية العربية الأسلوب الغربي بشكل صرف أوائل القرن العشرين. يمكننا القول أن أول عملين قصد بهما كل من محفوظ ومنيف التأسيس لرواية عربية صرفة، هما “النهايات” و”حكايات حارتنا”.
بعد أن مهد منيف ب”النهايات” تابع مسيرته في أدب الصحراء، ليخرج لنا عمله الأكمل والأبدع “مدن الملح”، يمكننا القول أن “الحرافيش” و”مدن الملح” كانتا ملحمتين عربيتين أصيلتين.
يتعامل منيف مع الصحراء في “مدن الملح” كإنسان يُغتصب أو يُحول قسرا، ذلك الفضاء الروحي الهائل، الذي لم يكن يراه يوما مجرد فراغ، يتم اختطافه، وتحويله إلى مدن نفطية اصطناعية كريهة، هنا يمكن أن نرى مع منيف كيف يمكن للمكان أن يغير طباع البشر، فبدلا من الحرية والصلابة التي كانت تعكسها الصحراء على أبناءها، فإننا نرى إنسان المدينة النفطية قلقا ممزقا.
يمكننا الآن أن نقول أن المكان عند كليهما؛ الحارة عند محفوظ والصحراء عند منيف، هو البطل.. البطل الذي يشكل أكثر مما يتشكل، أن المكان في أدب كليهما هو الذي يمنح الأبطال إدراكهم الذاتي!
أحمد داود أوغلو؛ المكان الحضارة والحضارة المكان

بدأنا من الحيز المكاني الأصغر؛ بيت باشلار، عبرنا من الحيز المكاني الأكبر قليلا حارة محفوظ وصحراء منيف، وها نحن الآن أخيرا نقف على أعتاب مدينة داود أوغلو.
في عمله الفريد “المدن المحورية في نهوض الحضارات وسقوطها” ينطلق داود أوغلو من ذاته، يخبرنا عن معلّمَيه الذين شكلا وعيه الأوليّ بالمكان، اسطنبول وقونيا، قونيا علمته السكينة، أما اسطنبول فكانت درسا في التناغم والامتزاج والتوالف الحضاري بين مكونات تركيبها المعقد والبديع. ثم ينطلق بنا إلى مكة والمدينة المنوّرة والقدس، معلِّمِيه اللاحقين الذين علّموه ما لم تعلّمه الكتب إياه، فمكة والمدينة كانتا التجسيد النوراني للنبي صلى الله عليه وسلم، “يمكننا أن نشعر بهذا التجسيد ينبعث من الروضة المطهرة إلى كل ركن من أركان المدينة”، أما القدس فإنها تجسيد “لكل ما يمكن تجربته في التاريخ.. بكل عمقه وروعته وعذابه” وإنها أيضا مكان المعراج والمكان الذي منه رفع الله نبيّه عيسى عليه السلام إليه، إنها “مكان يعكس العالم والتاريخ من ناحية، والسماء والميتافيزيقا من ناحية أخرى”.
ومن الذاتي يتجه للموضوعي، فيحدثنا داود أوغلو عن “المدينة”، المدينة التي تمنح الحضارة ثقلها السياسي وقدرتها على القيادة، هي التجلي المادي لهذا الخليط بين درجات الوعي الثلاثة؛ الوجودي والتاريخي والسياسي، هي التجربة الشعورية للحضارة، تماما كما كان بيت باشلار الأول هو الذاكرة والكينونة للإنسان، إن المدينة عنده هي “مختبر التاريخ” هي المرآة التي تعكس فيها الحضارة هويتها “انعكاسا مكانيا للوعي الحضاري”، كما كانت الحارة والصحراء مرآة أبطال محفوظ ومنيف، إن هذا التعبير الحضاري عن الهوية، سماه أوغلو؛ “الإدراك الذاتي للحضارات”.
إن هذا المفهوم الذي صكه أوغلو قديما في تسعينيات القرن الماضي، قد اكتسب أبعادا جديدة وثرية مع هذا الكتاب، إن الحضارة تسعى إلى تعريف نفسها؛ مكانتها التاريخية، علاقتها بالكون وبالأمم الأخرى، بناءا على مرجعيتها القيمية الخاصة، إن هذا الإدراك الذاتي ينعكس جغرافيا على “المدينة”، لتكون المدينة هي كتاب الحضارة المنطوق.
ينطلق بنا أوغلو بعد ذلك في رحلة ماتعة تصنيفية للمدن التي يسميها محورية، محورية لأنها انعكاسات لحضارات مختلفة وكانت محركات للتاريخ العالمي قبل الهيمنة الغربية، يصنف أوغلو هذه المدن بعد ذلك تصنيفا لطيفا، يكلمنا عن أثينا وروما والمدينة المنورة تلك المدن التي أسست حضارات ومهدت لها، ثم إلى بغداد وقرطبة ودلهي وأصفهان، اللاتي أسستهنّ حضارات، ثم إلى مدن محورية منقولة خلال تشكل الحضارات كالمدن الإسكندرانية وغيرها، ثم إلى مدن الأشباح التي فقدت روحها رغم بقائها المادي كغرناطه وقرطبه، ثم إلى المدن التي مُحيت مع سقوط نظامها السياسي، ثم إلى المدن التي على خطوط التفاعل الجغرافي والاقتصادي والثقافي، ثم أخيرا إلى القدس والقاهرة واسطنبول، مدن التحول الحضاري الكبرى، على كل، ما يهمنا الآن هو تأصيله النظري الذي بيناه.
إن المكان عند داود أوغلو هو انعكاس القيمة، صوت الحضارة الناطق، روحها الكامنة!
المدينة الحديثة؛ المكان الفراغ.. أو اللا-مكان
“وبينما كنت أحاول نقش انطباع شوارع لندن في ذهني، مثلها مثل صفحات مطلوب قراءتها، شعرت -على عكس ما كنت عليه في اسطنبول- أنني كنت أتجول في متاهة من النظام الميكانيكي لا من المزيج العضوي". داود أوغلو واصفا لندن؛ أول مدينة غربية صادفها وولج فيها.
بغض النظرعن رأي أوغلو الكامل في لندن، فإن ما قاله يأخذنا إلى شيء اخر، إلى بيت باشلار الأول. حين كان غاستون باشلار يصف لنا حميمية البيت الأول وشاعريته، أعطى البيت تشبيها تمثيليا لطيفا، يرى باشلار البيت كائنا عموديا، له قطبين: عليّة وقبو، علية البيت عقلانية، تكشف عن علة وجودها على الفور، إنه يحمي ساكنه من المطر والشمس الحارقة، قرب العليّة تكون أفكارنا نقية، بينما القبو فهو “الهوية المظلِمَة للبيت، هو الذي يشارك قوى العالَم السفلي حياتها، فحين نحلم بالقبو فنحن على انسجام مع لاعقلانية الأعماق” تمتد جذوره لأعماق الأرض ليشكل معها وحدة كلية. إذا فالبيت يمتد من الأرض إلى السماء، إن هذه العمودية تمثل عمودية الكائن الإنساني، وهذا الاستقطاب، يمثل استقطاب النفس الإنسانية بين العقل والروح. وعلى خلاف ذلك تماما، يجيء البيت في المدينة عند باشلار، حيث أن البيوت هناك “لا تقام وسط محيطها الطبيعي” وحيث “يفتقد بيت المدينة القيمة الحميمية للعمودية” لتصبح “العلاقة بين البيت والفراغ مصطنعة. كل ما يحيط بها يصبح ميكانيكيًا، والحياة الأليفة تفلت هاربة في كل اتجاه” تماما كما كان يصف أوغلو لندن.
تخيل معي لو أن أبطال محفوظ كانوا يسكنون كومباوندا فخما من كوماباوندات القاهرة الحديثة بدلا من حواري القاهرة القديمة، أمر صعب التخيل صحيح؟ حسنا لن نتخيل، أمامنا الاف المسلسلات البلاستيكية التي صدرت حديثا التي تدور كل أحداثها هناك، يمكننا أن نقارن، ترى ما الفرق، ما الذي جعل حارة محفوظ تحمل كل تلك الأبعاد، ما الذي خلد حارة محفوظ، وجعل كومباوندات المسلسلات البلاستيكية مكرورة وبكماء و”منزوعة الروح”؟ الفرق بوضوح هو ما يمكن أن نسميه روح المكان.
وبالحديث عن روح المكان فلا يمكننا في الختام أن نتجاهل التشريح الذي قدمه “مارك أوجيه”2للفضاءات الحديثة أو ما أسماه “اللا-أمكنة” في كتابه الذي يحمل نفس العنوان، هذا المفهوم طرحه أوجيه ليصف الفضاءات التي انتجتها الحداثة المفرطة والعولمة، ما يميز هذه الفضاءات، هي أنها عابرة يمر بها الإنسان لكنه لا يتصل بها، فارغة من المكان والهوية والتاريخ، منزوعة الروح، لا تعكس علاقة اجتماعية أو تاريخية بين الإنسان والمكان، هذه الأماكن تخلق عند الإنسان نوعا من أنواع الاغتراب والانفصال، يُعامل فيها الإنسان بالتعليمات والإشارات لا عبر التفاعل العضوي، مثل المراكز التجارية والمطارات ومحطات القطار، وأخيرا المدن الحديثة الكوزموبوليتانية
اتسعت حضارات قديمة حتى ملأت الآفاق، لكن أية حضارة فيهنّ لم تمسخ روح المدن التي ضمتها، لكنّ هذه المدن الحديثة الكوزموبوليتانية، ممسوخة تماما، مستنسخة ومتشابهة، لا خصوصية ثقافية لها، فضاءات باهتة تحمل نفس الطابع المعماري، تلك المباني الزجاجية الشاهقة، تلك الكتل الخراسانية المصمته، تلك المباني التي لا تشعرك أنك إنسان لك خصوصيتك ولكن بأنك مجرد رقم أو مستهلك.
إن كل مكان لا يراعي خصوصيتك الإنسانية، كل مكان لا ينطبع فيك، كل مكان تمر فيه لكنك لا تذكر منه إلا صورته الخارجية الصماء، كل مكان لا يعكسك، لا يعكس أحلامك ومشاعرك، ولا ينعكس فيك، هو مكان ماسخ للهوية، سالب لروح الإنسان، سجن لكن بتنويعات مختلفة.
انتهى
من العولمة.
مارك أوجيه، انثروبولجي فرنسي




