تلك الندبة
أستيقظ في الصباح، أنظر في المرآة، وأنا مبلل الوجة، أرى حاجبين وعينين، غالبا مرهقتين من قلة نوم أو أرق، أنفا وشفتين، أكاد لا أميز وجهي، هذه جوارحٌ يحملها جميع أولاد آدم تقريبا، على اختلاف أبعادها من آدمي لآخر، أمعن النظر أكثر، ألمح تضاريسا هي أقرب لتضاريس روحي منها لوجهي، هي أل التعريف لهذا الوجه، ربما هو ليس إلا انعكاسا لها، مرآة هو الآخر، ينظر إلى مرآة.
اختبرت الحزن مرات ومرات، داست الدنيا على وجهي، تركت تلك الندوب، تلك التي أحرص على بقائها في وجهي، حتى أراها كل مرة أنظر فيها للمرآة، فأميز نفسي بها، هذه ندبة كذا، وهذه يوم كذا وتلك لما حصل كذا، شفيت من هذه وجزعت من هذه أما تلك فما زالت تنزف، تصير الندوب أنا، وجهي وروحي، أحملها حيث أحملهما.
أستعين بكلام أحد فلاسفتي المفضلين، أو إحداهنّ على وجه الدقة، التي تقول أن القدرة على التذكر هي عُدّة الإنسان في مواجهة الفناء، لذلك أفضل أن تظل ندوبي في وجهي بما تحمله من أسى، لأنها دليلي الوحيد على صمودي في المعركة.
قرأت يوما نصا بديعا لصديق على الفضاء الأزرق، ذكر فيه الندبة على وجه ريبيري، لاعب البايرن ميونخ في سكواده التاريخي، ذلك السكواد الذي انحفر بأذهان أبناء جيلي، ربما لارتباطه بلعبة كرة القدم ذات الشهرة الواسعة بيس ١٣، كان لريبري ندبة بطول وجهه، ذكرى حادث سيارة أليم في صباه، فقد فيه والديه، عندما سُئل عن رفضه القيام بأي عملية تجميلية قال: "أعتبرها سر تألقي، لن أزيلها"، كانت ندبته هي دليله على كفاحه وحيدا في هذا العالم الموحش.
ربما لا يعرف أكثركم أني اختبرت غياب أبي مرات كثيرة، قصرت مرات وطالت مرة، كأنها العمر كله، وأنا بعد لم تسقط أسناني اللبنية كلها، اختبرت غياب الظهر، صنعت لنفسي ظهرا، بيديّ الصغيرتين وأسناني اللبنية، وحملت الظهر الغائب عليه ومضيت، جعلت منه ندبة ريبيري.
لم أكن أحب فيما قبل أن أذكر هذا، كثيرا أو قليلا، أولا لأني أكره أن يكون هذا سخطا عن شيء عوضني الله عنه بالكثير، وثانيا لأنني كنت -ولا زلت- أكره أن ينظر إلي أحدهم بنظرة مشفقة، الشفقة ملعونة، العين المشفقة تراك "عاجزا”، تراك نصف إنسان، فيما بعد أدركت أنه يمكن للإنسان أن يتضامن، التضامن هو وقوف الكتف بجوار الكتف، أما الشفقة هي نظر العين من أعلى إلى أسفل.
....
ربما من أعمق ندباتي أثرا في وجهي، هو التحول السريع الفجائيّ بين الأنس بالمحيطين والوحشة المطلقة، فقط بين يوم وليلة، (الظروف). أول مرة فارقت فيها كل أصدقائي، للعيش في القاهرة وحيدا، القاهرة ساحرة، لكنها موحشة قتالة، مليئة بالبشر، لكنّ كلهم وحيد. المرات التالية التي فارقت فيها أماكن أحبها، أناسا أحبهم.
أول فقد، جنازة محمد أيمن التي لم أستطع حضورها، جنازة خالو محمد التي أقف فيها وحيدا مشدوها جزعا تماما، أذكر يد أحد أقربائي تربت على كتفي، تقول لي الدنيا قصيرة غادرة ملعونة، ستجرب الفقد مرات ومرات، فلا تجزع، تذكر أنها قصيرة غادرة ملعونة.
فقد الأحبة تباعا، بابا الحاج، ماما الحاجة، تيتة، من سافروا، تحول الحال ببطئٍ وانت ترقبه بعينيك.
"أحبب من شئت فإنك مفارقه!"
.....
فقد الأحبة بأقدار السماء يحمل عزاءا ما على كل حال، رغم لوعته، أما خذلان القريب، تنكره، فهو نصل يغرسه البشر في منتصف جبهتك، نعم ظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند، أن يبهتك من كنت تعده قريبا، نبي الله يوسف إذ يتهمه إخوته بالسرقة، أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون.
....
الأحزان يبعث بعضها بعضا، (الأسى يبعث الأسى).
نبي الله يعقول إذ يفارق أبناءه، {فتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف} جدد فراق صغيره أسفه القديم، يؤنسني نبي الله يعقوب وقصته.
الحزن قميء، تماما كنقطة الحبر الذي تعكر صفو حوض كامل من الماء، يلتهم روحك، يصبغ نظارتك بسواده، ترى العالم من خلاله حين يعتريك، فتراه على غير حقيقته، مصبوغ كله بالسواد.
لكن الحزن على ما فيه من ثقل وشدة، بوابتك لرؤية الأمور على ما هي عليه، بقسوتها وشدتها، ثم تقبلها، حسب الخماسية الشهيرة، وحسب حنة أيضا، أنه لا يجب أن يكون مجرد استسلام للألم، ولكن عليه أن يكون جزءا من عملية مصالحة مع العالم أو كما سمته (reconciliation).
تقول الكاتبة السويدية إسحق دنسن التي كتبت رواية خارج إفريقيا التي تحولت لاحقا إلى فيلم حاز الأوسكار، أن “كل حزن يمكن تحمله إذا تحول إلى قصة”.
لذلك ربما أحب ندوبي كما كان يحب ريبريه ندبته، لأنها قصتي المقروءة، دليلي المنظور.
في لحظات الحزن تجد الله حقا، الإنسان كفور قنوت، إذا مسه ضرّ ذكر الله وحده، وإذا مسه خير أعرض، لكنّ الله رحيم قريب، إذا تقرب منه عبده شبرا تقرب منه ذراعا، يبعث لك في لحظات الحزن ما يؤنسك، يؤنسك في لحظات وحشتك به وبكلامه، تقول في نفسك إلهي من وجدك فماذا فقد، ومن فقدك فماذا وجد، كما كان يقول ابن عطاء في حكمه، تجد شفاءك في أن تسأل الله ألا يجعل مصيبتك في دينك، تسأله ألا تكون الدنيا أكبر همومك، يصغر كل ما أحزنك في عينيك.
لمست مؤخرا معنى لطيفا، أنه في بعض الأحيان يكون ما يسليك هو غم ابتلاك الله به، ثم صرفه عنك، فتأنس ويصغر كل ما أصابك قبله في عينيك، وجدت مصداقا له في تفسير آية إذ تصعدون ولا تلوون على أحد، أن الله أثاب المسلمين غما بغم، غما بفوات النصر وفوات الغنيمة، وغما بالهزيمة، وغم أنساهم كل غم، وهو سماعهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قتل، لكن الله بلطفه بعباده جعل اجتماع هذه الأمور خيرا لهم فقال: لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من النصر والغنيمة، ولا ما أصابكم من الهزيمة والقتل، لما تحققتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقتل، فهان عليكم كل ما دون ذلك وصغر.
ولأن الحزن مثل الحبر يصبغ العالم بسواده، لذا أتشبث بلحظات السعادة، أغرق بكليتي فيها، أتزود منها في لحظات الحزن، أذوب في الأنس برفاقي، حتى أسامرهم داخلي ساعة الوحشة، أحبس هبة النسيم العليل في رئتي حتى تكادان تنفجران، أملأ عيني من وجوه الأحبة، من اختلاط خضرة أوراق الشجر بزرقة السماء فوقها حين تكون تحتها وتنظر للأعلى وانت تستظل بشجرة، أملؤ عيناي من الحقل الأخضر الممتد من نافذة بيتنا في الفيوم إلى اخر الأفق، من التقاء زرقة السماء بخضرة الزرع، من الجبل المنصوب وراء الشجر والمباني هناك في القاهرة، أترك العنان لمستقبلاتي السمعية لتلتقط كل الأصوات الممكنة في اجتماع عائلة أمي في بيت جدي وجدتي، أختزن في جيوبي الأنفية رائحة الخبيز، رائحة البطاطا من الفرن في المطبخ.
أملؤ نفسي بذلك كله، اختزنه جميعا، علّي آنس به يوما أستوحش فيه!
انتهى.






إنساني وقريب جدًا :”))
جميل جميل